عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
216
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
عليه هو من علامات الساعة الصغرى الخاصة بكل فرد من أفراد الإنسان . ومن علامات الساعة الكبرى : ظهور يأجوج ومأجوج في الأرض حتى يملكوها ، فيأكلون الثمار ويشربون البحار ، ثم يرسل اللّه عليهم في ليلة واحدة النغف فيموتون عن آخرهم ، فحينئذ يكثر الزرع ، وينصع الأصل والفرع ، وتطيب الثمار ، ويحمد الملك الجبار ، فكذلك الساعة الصغرى من علامات قيامها في الإنسان : ثوران النفس بثوران الخواطر الفاسدة والوساوس المعاندة قبل تمكنه من نفسه ، فيملكون أرض قلبه ، ويأكلون ثمار لبه ، ويشربون بحار سرّه ، حتى لا يظهر لمعارفه وأحواله فيهم أثر ، فيرجع عن سكره إلى حقيقة الصحو ، ثم تأتيه العناية الربانية بالنفحات الرحمانية بتحف ألا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ « 1 » ، ألا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ فتكحل عين هدايته بإثمد : اللّه يصطفي من يشاء من عباده فحينئذ تفنى الخواطر النفسانية ، وتذهب تلك الوساوس الشيطانية ، وترد محلها ملائكة اللّه بالعلوم اللدنية والنفثات الروحية في الكمالات الروعية ، وهو بمثابة تكثر الزرع واخضرار الأصل والفرع ، ثم تحققه في مقام القرب وتلذّذه بمشاهدة الربّ هو بمثابة طيب الثمار وحمد الملك الجبار ، فكما أن ظاهره من أمارات الساعة الكبرى ، كذلك ما أشرنا إليه وهو باطنه من أمارات الساعة الصغرى الخاصة بكل فرد من أفراد الإنسان . ومن أمارات الساعة الكبرى : خروج دابة الأرض ، قال اللّه تعالى : وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ « 2 » يعني إذا وقع القول وهو الأمر الإلهي برجوع هذا العالم إليه ، وذلك انصرام أمر عالم الدنيا إلى الآخرة ، أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم ، يعني تنبئهم بحقيقة ما وعدناهم به من البعث والنشور والجنة والنار وأمثال ذلك ، لأن الناس كانوا بآياتنا ، يعني الأمور التي أخبرناهم بها في كلامنا لا يوقنون ، فلأجل ذلك أخرجنا لهم تلك الدابة ليعلموا أنا قادرون على كل شيء فيوقنون بما بعدها وبما تخبرهم به تلك الدابة ، فيرجع من يرجع إلى الحق ، ويوقن بما أخبر به تعالى ، فكذلك الساعة الصغرى من أمارات قيامها في الإنسان بروز روحه الأمينة في حضرة القدس بخروجها من أرض الطبيعة البشرية لترك الأمور العادية ، وعدم إتيان الاقتضاءات السفلية ، فحينئذ يتحقق له الكشف الكبير ، وينبئه روح القدس بالنقير والقطمير ، فيكلمه بجميع تلك الأخبار ، ويظهر له بواطن الأستار فيعلمه
--> ( 1 ) آية ( 56 ) سورة المائدة . ( 2 ) آية ( 82 ) سورة النمل .